تربط الصينَ والدولَ العربية علاقاتٌ حضارية عريقة تمتد عبر التاريخ. وفي السنوات الأخيرة، ومع طرح وتنفيذ مبادرة "الحزام والطريق" بشكل معمّق، شهد التعاون بين الجانبين في مختلف المجالات مرحلة جديدة من الفرص التاريخية. واستجابةً لمفهوم "التعلّم المتبادل" الوارد في مبادرة الحزام والطريق، ولتنفيذ هدف "التواصل بين الشعوب" من خلال تعميق التبادل الثقافي بين الصين والدول العربية، توصلت المكتبة الوطنية الصينية والأمانة العامة لجامعة الدول العربية إلى اتفاق للتعاون في مجال المكتبات والمعلومات، وشرعتا في البناء المشترك لمشروع المكتبة الرقمية الصينية العربية.
عام 2014، طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ، في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية للاجتماع الوزاري السادس لمنتدى التعاون الصيني العربي، رؤيته حول بناء الصين والدول العربية المشترك لمبادرة "الحزام والطريق". وقد استجاب قطاع المكتبات في الصين والدول العربية لهذا التوجه بسرعة، إذ بدأت الجانبان التعاون لتعزيز التبادل الإنساني في العصر الجديد، والعمل على تحقيق هدف "التواصل بين الشعوب" في إطار مبادرة الحزام والطريق. وفي أكتوبر من العام نفسه، استضافت وزارة الثقافة الصينية (سابقًا) والأمانة العامة لجامعة الدول العربية "منتدى مديري مكتبات الصين والدول العربية" في المكتبة الوطنية الصينية. وفي البيان الختامي للمنتدى (مبادرة بكين) الذي حظي بإجماع المشاركين، طُرح رسميًا مفهوم إنشاء "المكتبة الرقمية الصينية العربية".
بعد إصدار "مبادرة بكين"، وقّعت المكتبة الوطنية الصينية والأمانة العامة لجامعة الدول العربية رسميًا في عام 2015، في القاهرة بمصر، مذكرة تفاهم بشأن مشروع المكتبة الرقمية الصينية العربية، وبموجبها جرى تحديد إطار التعاون بين الطرفين. وخلال السنوات الثلاث اللاحقة، تقدّم العمل في المشروع بصورة ثابتة؛ إذ استُكملت عبر لجنة المشروع المشتركة وآلية الاجتماعات السنوية مهامّ بناء الموقع الإلكتروني، وانتقاء الموارد، وترجمة المحتوى، وتحسين الوظائف، كما وُقّعت- وفق مقتضيات العمل- الأدلةُ الإرشادية لسياسات المشروع، ما أرسى الأساس المتين لإطلاقه رسميًا.
في10 يوليو 2018، أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ، في كلمته بالجلسة الافتتاحية للاجتماع الوزاري الثامن لمنتدى التعاون الصيني العربي، قائلًا: "لقد أُطلق رسميًا مشروع البوابة الإلكترونية للمكتبة الرقمية الصينية العربية". وحضر مراسم الإطلاق كلٌّ من عضو مجلس الدولة ووزير الخارجية وانغ يي، والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ووزير خارجية المملكة العربية السعودية عادل الجبير، حيث قاموا بالنقر المشترك على زر الإطلاق، وبذلك جرى تدشين الموقع الرسمي للمكتبة الرقمية الصينية العربية.
وفقًا للتوافق الذي جرى التوصل إليه خلال الاجتماع الثاني للجنة العمل، تتكوّن المكتبة الرقمية الصينية العربية من صفحة بوابة موحَّدة وموقعين للموارد؛ أحدهما يديره الجانب الصيني (المكتبة الوطنية الصينية) والآخر يديره الجانب العربي (مكتبة الملك عبد العزيز العامة في المملكة العربية السعودية).
يعتمد الموقع الصيني للمشروع على خدمة الموارد ونشر المعلومات بوصفهما وظيفتين رئيسيتين. فهو يعرض الموارد عبر "خط الزمن" أو عبر تصنيفات موضوعية، ويتيح البحث الشامل في جميع محتويات الموقع. كما يضم قسمًا للأخبار ينشر آخر المستجدات المتعلقة بقطاع المكتبات والتبادلات الثقافية الصينية العربية. ويُتاح تصفّح جميع المحتويات وبياناتها الوصفية باللغتين الصينية والعربية.
يعرض الموقع الصيني مجموعة مختارة من مقاطع الفيديو من موارد "دروس المكتبة الوطنية المفتوحة"، وتشمل موضوعات الثقافة الصينية التقليدية العريقة، والتعريف بالكتب التراثية في مجموعات المكتبة، وفعاليات "صالون الثقافة الصينية المصرية". وقد أُرفق عدد من هذه المواد بترجمات عربية مساعدة ليتعرّف الجمهور العربي على الثقافة الصينية بسهولة أكبر عبر الدروس المفتوحة.
كما يقدّم الموقع خمسة معارض رقمية موضوعية مختارة من المعارض السابقة للمكتبة الوطنية الصينية، تشمل الطباعة باللوح الخشبي، و"دائرة معارف يونغله"، وثقافة الحرير، وأنظمة الكتابة لدى القوميات الصينية، وثقافة الطاوية، بما يعكس ملامح الحضارة الصينية من زاوية التراث الكلاسيكي والتراث الثقافي غير المادي.
ويرفع الموقع أيضًا مئة كتاب إلكتروني من "الوثائق الكلاسيكية الصينية القديمة" من مكتبة الصين الرقمية الوطنية، تتضمن ذخائر بارزة من جوهر الحضارة الصينية، ونصوصًا كلاسيكية للأدب التقليدي، ومؤلفات تمثّل إنجازات الحضارة الصينية في مجالات العلوم والطب العسكري والتقنيات، فضلًا عن كتب توثّق التفاعل الحضاري الصيني مع العالم القديم.
كما يعرض الموقع تسجيلات صوتية لقصائد كلاسيكية مختارة من "القراءة الكلاسيكية - جائزة ون جينغ"، وصورًا من مجموعات اللوحات الشعبية السنوية، ومقاطع مرئية حول التراث الثقافي غير المادي وثقافة الأقليات القومية والمسرح المحلي من مكتبات المقاطعات الصينية، بهدف تقديم مشهد شامل وغني للتنوّع الثقافي الصيني.
يعرض الموقع العربي للمشروع أكثر من مئة كتاب إلكتروني تشمل موضوعات مثل تاريخ التفاعل الصيني العربي عبر العصور، والأدب العربي الكلاسيكي، والدراسات الصينية في العالم العربي، وثقافات الشعوب العربية. وتمثّل هذه الكتب جزءًا أساسيًا من موارد المشروع، إذ تعكس مسار التفاعل الإنساني بين الصين والدول العربية، وتبرز الخصوصية الثقافية العربية.
في يونيو 2019، وخلال الاجتماع الثالث لخبراء المكتبات والمعلومات بين الصين والدول العربية، درست اللجنة المشتركة للمكتبة الرقمية الصينية العربية آفاق تطوير المشروع، وتوصلت إلى توافقات مهمة، من أبرزها: الارتقاء الشامل بخدمات موارد الموقع، واتخاذ المشروع منصةً لدعم التبادل المهني بين المكتبات الصينية والعربية، وتعزيز تأثير المشروع داخل القطاع وخارجه لإيصال ثماره إلى جمهور أوسع في الصين والدول العربية.
يهدف هذا المشروع إلى دعم إقامة علاقات توأمة بين المكتبات الوطنية ومختلف أنواع المكتبات الأخرى من كلا الجانبين الصيني والعربي، ويرحب بالمشاركة النشطة لمكتبات الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية والمؤسسات ذات الصلة في بناء موارد المشروع، كما يسعى لتنفيذ برامج تدريبية مهنية تهدف إلى رفع كفاءة المهارات الاحترافية لأمناء المكتبات في الصين والدول العربية.
"تزدهر الحضارات بتنوّعها، وتتعزز بالتبادل، وتتطور بالاستفادة المتبادلة." ويعدّ مشروع المكتبة الرقمية الصينية العربية مسعى جديدًا لاستمرار دفع التبادل الحضاري الصيني العربي في العصر الحاضر. ومن خلال البناء المشترك لمكتبة رقمية دولية، سيواصل العاملون والخبراء في مجال المكتبات والمعلومات من الجانبين تبادل الرؤى والحكمة، وبذل الجهود الجماعية للحفاظ على هذا المشروع وتطويره. ويقول مثلٌ عربي: "الكلام أوراق، والعمل ثمار." وفي المستقبل، ستواصل المكتبة الوطنية الصينية والأمانة العامة لجامعة الدول العربية التعاون الوثيق والعمل الجاد على تنفيذ المشروع، ليصبح منصة نموذجية للتبادل الإنساني في العصر الجديد، وليسهم في تعزيز التواصل الوجداني بين الشعبين الصيني والعربي من خلال قوة قطاع المكتبات.